Tuesday, July 6, 2021

مركون - قصة قصيرة

    أخذت اليدين ذات التعرجات الكثيرة والعروق البارزة، ذلك الجهاز المركون على الطاولة في زاوية غُرفة المعيشة، لتحمله بحنان إلى الكرسي المجاور. حرّكت الأنامل الدافئة القرص الدائري على الجانب الأيمن للجهاز بثلاث دورات متتالية حتى بدأ الصوت يصدح من ذلك الجهاز، بتلاوة هادئة عطرة من آيات القرآن الكريم، قبل أن يحين موعد أذان العصر. كان قُرب جهاز المذياع، ساعةٌ ذكية تحمل في أحشائها الكثير من المحتويات العصرية التي تضاهي في قُدرتها جهاز التلفاز والهاتف المنزلي والمذياع الهرم في غُرفة المعيشة، وُضعت على الطاولة الصغيرة المُقابلة للكرسي الخشبي المحشو بالإسفنج المريح. وبعد آذان العصر الذي علا أرجاء صالة المعيشة، أُغلق المذياع، ورحل صاحبه مُتجهاً كعادته إلى المسجد القريب من البيت. في تلك الأثناء عمّ الهدوء أرجاء غُرفة المعيشة، فكُل الساكنين في هذا البيت اتجهوا لغرفهم للصلاة والراحة قبل وقت الاجتماع على قهوة العصر بعد نصف ساعة من موعد الأذان. 
    بدأت الساعة حديثها مُرحبةً بجموع الأشياء حولها بفخر، قائلة: يسرني التعرف إليكم أهل البيت، أعرفكم بنفسي، ساعة تكنولوجية حديثة الإصدار بدأ بارتدائي الجد سالم بالأمس بعد أن أهداه حفيده الأصغر والمسمى على اسمه أيضاً سالم. ردّ المذياع السلام بوقار وبدأ يُعرّف الساعة على بقية الأجهزة، ومنها هاتف البيت والتلفاز. ضحكت الساعة باستهزاء حينما سمعت الهاتف يتحدّث عن وظيفته في هذا البيت، مما جعل الهاتف يعود لصمته الطويل حُزناً على جيل الاتصالات الجديد. قالت الساعة لهاتف البيت بكبرياء: أيها الشيخ الكبير، ألا زلت تعتقد أنك تعمل بعمل يجعل حياة الناس أيسر وأسهل؟ إن كنت كذلك، فاسمح لي والحقيقة يجب أن تُقال، أنا ساعة يد ويمكنني أن أعمل عملك أضعافاً مضاعفة! استرح في مكانك كتحفة أثرية، ودع لنا نحن الصغار مجالاً العمل! رد التلفاز على ساعة اليد قائلاً: ساعة اليد، تمهلي ولا تستهيني بقدرة هاتف البيت، فقد شهدت بقدومي لهذا البيت في أول يوم عمل لي، عمله الرائع ليلاً ونهارا، لم يكن أحد يستطيع أن يتخلى عن خدماته! فلا تغتري بقدراتك يا صغيرة، فهو قد عمل وأدّى وأخلص، حتى أصبح الآن مُرتاحاً في ركنه شامخاً بتاريخ عمل عريق. 
   أخرج المذياع تنهيدة حزينة اختلطت معها المشاعر بين اهتمام وحُب، ليشارك في الحوار قائلاً: ابنتي الصغيرة ساعة اليد، أنظري إلىّ. لقد بلغت آخر عمري ولا زلت أقدم للجد سالم خدماتي رغم تعبي وهواني، فحينما يحملني بيده ويحرك أقراصي للعمل، أشعر في يديه حناناً كبيراً لسنوات قضيناها أنا وأنامله معاً، نُقلب العالم بأقراصي بين أخبار وأشعار وأذكار، وقتها لم يكن لهاتف البيت والتلفاز وجود هنا! انظري إليّ جيداً، رغم تلك السنين ولازال يُقدّر عملي، فالعبرة بُنيتي الجميلة النشيطة أنّك ستكونين يوماً مكاننا، عجوزٌ أدت أعمالها بكل تفاني، وتتحولين إلى جهاز مركون، لن تُعطيك التكنولوجيا الأحدث وقتها مجالاً إلا أن تصبحي تحفة فنية فريدة بتاريخ عمل عريق. 
    أخرجت الساعة أصوات بتنبيهات عبّرت عن أسفها الشديد لقلّة بصيرتها وشغفها الأناني للعمل بأحدث ما جُهّزت به، واعتذرت للأجهزة العتيقة في صالة المعيشة، قائلة: تسرّعت بالحكم، ونسيت رُغم تطوري وحداثتي بأنّ كُل الأشياء مصيرها الهوان والركون! أجاب المذياع: نعم، فهذا حال الدُّنيا ليس مع الإنسان فحسب، بل كُل شيء، أتعلمين بأني علمت بقدومك منذ الأمس، وقد سمعت من الحفيد سالم، أنك تستطيعين أن تعملي عملي! ردت الساعة بحماس قائلة: نعم، فلدي مذياع إلكتروني. ضحك المذياع مُمازحاً بقية الأجهزة، قائلاً: وأخيراً سأرتاح وأعود لحالة الركون والتأمل رغم حُبي الشديد لأنامل الجد العزيز سالم. استكملت الأشياء حديثها حتى حان وقت القهوة واجتمع أهل بيت الجد في صالة المعيشة، يتناقشون حول عمل الساعة الإلكترونية الجديدة التي وُضعت على يد الجد سالم.
مذياع الأجداد : لا زال على قيد العمل

Thursday, July 1, 2021

خاطرة في رحلة البيت العتيق

    حلقت الطائرة وحلق قلبي بين رجاء القبول وفُسحةالأمل. كانت الغيوم في السماء تتكاثر شيئاً فشيئاً كلما اتجهت الطائرة بعيداً، وكأنها تحتشد في جموعٌ غفيرة، ترحّبّ بعودتي بعد مُدة احتجزني فيها الوباء عن فُسحة السماء. كان الرفيق الأكثر لُطفاً بمشاعري المُبعثرة، كتابٌ أتممتُ قراءته في العشر الأواخر من رمضان، أخذته معي لأسترجع حنان كلماته ورقّتها على قلبي المُضطرب. كُنت أتساءل: كيف لي أن أترك الجميع وأغادر في زمنٍ بات من الجنون الخروج لساحات الحياة؟ تلك الساحات التي تبدلت أجواؤها برائحة المرض والموت، حينما تسرّبت في بدايات عام 2020.
     لم أكن لألجأ لإجراءات مُعقدة وأموال هادرة في ظل موجة الوباء اللامتناهية لأحلّق في السماء التي اكتظت بأمنيات الناس على الأرض، إلا أن حنيناً بات يُقطّع أوتار قلبي بحدّة المشاعر التي اختلطت مع زحام الهموم وثقلها المتراكم على القلب. لقد تغيّر الكثير من الناس، حتى بُتُّ لا أعرف من هم؟ كيف لهذه الجائحة أن تُعرّي الناس لمعادنهم الحقيقة؟ كيف كُنت لا أرى إلا ما يُرى؟ كيف لنا أن نتغير في لحظات زمان المحن والفتن! وما أقساه من تغيير لم نستعد له. بعد إجراءات السفر الطويلة في التحقيقات الوبائية ما بين أخذ لقاح وفحص سلامة، دخلت لأم القُرى مع ابن أختي، مُحملين بأثقال الهموم متعطشين لسجود طويل، تسقط معه كُل تفاهات الحياة التي تركتنا في قاع الوباء مأمورة بابتلاءٍ حلّ من السماء.
    كان ارتداء السوار الخاص بالمعتمرين أجمل وأبهى من أساور وحُلي الدُّنيا كُلها، أنا التي تعشق الجمال والزينة، لم أرَ أجمل من ذلك السوار في عيني، حينما استشعر قلبي عِظم النعمة التي أنعمها الله عليّ من بين ملايين الناس التي ترجو زيارة البيت العتيق. سُوارٌ رتّب المشاعر لتصطف بترتيب عجيب وتختفي فجأة! في لحظة رؤية البيت العتيق بناظري الذي غسلته دموع الفرح. لما كُل هذا الفرح لبيتٍ من حجر؟ أتساءل لتأتي الإجابة مُباشرة: تاريخٌ عريق ومكان اختصّه الله ليكون جاذباً كالمغناطيس مُخلصاً لكل الهموم والغموم، فيأخذها ويصقلها لتعود على هيئة فرح وطمأنينة تحت غيمة غامرة لتهطل بأمطار الإيمان المتدفقة في العروق المجهدة.
    كان الطواف حول البيت العتيق في منتصف الليل وهلال شهر شوّال يعلو فوق المآذن، سكينة وجمال في ليلة كُتبت لي فيها حياة جديدة، أخذت فيها عهداً مع الله لأتغير للأفضل تحت راية التوحيد ومبدأ الأخلاق الحميدة التي بُعث لأجلها رسول الله صلى الله عليه وسلم. سجدةً تلتها سجدات، انحنت معها الهموم لتنكسر كعصاة قديمة اهترأ منتصفها حتى لان وانقسم لنصفين، سقطا ليتحولا رماداً مُبعثراً في الهواء بلا عودة. أنا التي دار بها الزمان بتغير الأصحاب والأحباب، أصبح لي ملك الملوك جلّ جلاله مؤنساً كريماً في تقبّل مخلوقة صغيرة ليس لها شيء في أهل السماء، شعرت حينها بأن كُل جرح التام وكلّ غصت اختفت، وكل حزنٍ تبدد.
    استشعرها معي حينما تختلي في صلاتك ميقناً بقرب الله لك، فهل تساءلت يوماً: من هو الله؟ إنّه سُبحانه أكبر من الوصف، فكيف لك أن لا تهرع إلى الصلاة وهو يقبل أن تفدِ عليه أكثر حتى من 5 مرات مفروضة في اليوم والليلة! دون أن يمّل منك سُبحانه، تأملها جيداً، حينها ستُدرك قيمة الله، ويفنى كُل ألم وحزن وظلم وغدر والكثير من هموم وغموم الحياة الدنيا الزائلة الفانية. عُدت بعد أيام، إلى حياتي الطبيعية بين أهلي وأحبابي ووطني، عُدت رغم الوباء وظروف الجائحة، مختلفة، فقد أزهر قلبي وغلظ عودي واخضرت أغصاني. أصبحتُ شجرةً عطاؤها لله وفي الله وإلى الله، وما أجمل الله. كان ذلك بعد أن أكرمني الله بقبولٌ حسن، أسأل الله أن يدوم ويتجدد. ولم يكن ذلك إلا توفيقاً بفضل الله ثم أولئك الصالحين الذي يسعون في الأرض صلاحاً وأثراً خالداً بالخير.


 - رفيق السفّر: كتاب لأنك الله للمؤلف علي الفيفي

عامود 20 - قصة قصيرة

       في مدينتي الصحراوية في قلب الجزيرة العربية ولدت عام  1983 . ومنذ أن وُجدت على هذه الدُّنيا لم يتغير طولي، الذي يصل إلى أكثر من  6  أم...