Thursday, July 1, 2021

خاطرة في رحلة البيت العتيق

    حلقت الطائرة وحلق قلبي بين رجاء القبول وفُسحةالأمل. كانت الغيوم في السماء تتكاثر شيئاً فشيئاً كلما اتجهت الطائرة بعيداً، وكأنها تحتشد في جموعٌ غفيرة، ترحّبّ بعودتي بعد مُدة احتجزني فيها الوباء عن فُسحة السماء. كان الرفيق الأكثر لُطفاً بمشاعري المُبعثرة، كتابٌ أتممتُ قراءته في العشر الأواخر من رمضان، أخذته معي لأسترجع حنان كلماته ورقّتها على قلبي المُضطرب. كُنت أتساءل: كيف لي أن أترك الجميع وأغادر في زمنٍ بات من الجنون الخروج لساحات الحياة؟ تلك الساحات التي تبدلت أجواؤها برائحة المرض والموت، حينما تسرّبت في بدايات عام 2020.
     لم أكن لألجأ لإجراءات مُعقدة وأموال هادرة في ظل موجة الوباء اللامتناهية لأحلّق في السماء التي اكتظت بأمنيات الناس على الأرض، إلا أن حنيناً بات يُقطّع أوتار قلبي بحدّة المشاعر التي اختلطت مع زحام الهموم وثقلها المتراكم على القلب. لقد تغيّر الكثير من الناس، حتى بُتُّ لا أعرف من هم؟ كيف لهذه الجائحة أن تُعرّي الناس لمعادنهم الحقيقة؟ كيف كُنت لا أرى إلا ما يُرى؟ كيف لنا أن نتغير في لحظات زمان المحن والفتن! وما أقساه من تغيير لم نستعد له. بعد إجراءات السفر الطويلة في التحقيقات الوبائية ما بين أخذ لقاح وفحص سلامة، دخلت لأم القُرى مع ابن أختي، مُحملين بأثقال الهموم متعطشين لسجود طويل، تسقط معه كُل تفاهات الحياة التي تركتنا في قاع الوباء مأمورة بابتلاءٍ حلّ من السماء.
    كان ارتداء السوار الخاص بالمعتمرين أجمل وأبهى من أساور وحُلي الدُّنيا كُلها، أنا التي تعشق الجمال والزينة، لم أرَ أجمل من ذلك السوار في عيني، حينما استشعر قلبي عِظم النعمة التي أنعمها الله عليّ من بين ملايين الناس التي ترجو زيارة البيت العتيق. سُوارٌ رتّب المشاعر لتصطف بترتيب عجيب وتختفي فجأة! في لحظة رؤية البيت العتيق بناظري الذي غسلته دموع الفرح. لما كُل هذا الفرح لبيتٍ من حجر؟ أتساءل لتأتي الإجابة مُباشرة: تاريخٌ عريق ومكان اختصّه الله ليكون جاذباً كالمغناطيس مُخلصاً لكل الهموم والغموم، فيأخذها ويصقلها لتعود على هيئة فرح وطمأنينة تحت غيمة غامرة لتهطل بأمطار الإيمان المتدفقة في العروق المجهدة.
    كان الطواف حول البيت العتيق في منتصف الليل وهلال شهر شوّال يعلو فوق المآذن، سكينة وجمال في ليلة كُتبت لي فيها حياة جديدة، أخذت فيها عهداً مع الله لأتغير للأفضل تحت راية التوحيد ومبدأ الأخلاق الحميدة التي بُعث لأجلها رسول الله صلى الله عليه وسلم. سجدةً تلتها سجدات، انحنت معها الهموم لتنكسر كعصاة قديمة اهترأ منتصفها حتى لان وانقسم لنصفين، سقطا ليتحولا رماداً مُبعثراً في الهواء بلا عودة. أنا التي دار بها الزمان بتغير الأصحاب والأحباب، أصبح لي ملك الملوك جلّ جلاله مؤنساً كريماً في تقبّل مخلوقة صغيرة ليس لها شيء في أهل السماء، شعرت حينها بأن كُل جرح التام وكلّ غصت اختفت، وكل حزنٍ تبدد.
    استشعرها معي حينما تختلي في صلاتك ميقناً بقرب الله لك، فهل تساءلت يوماً: من هو الله؟ إنّه سُبحانه أكبر من الوصف، فكيف لك أن لا تهرع إلى الصلاة وهو يقبل أن تفدِ عليه أكثر حتى من 5 مرات مفروضة في اليوم والليلة! دون أن يمّل منك سُبحانه، تأملها جيداً، حينها ستُدرك قيمة الله، ويفنى كُل ألم وحزن وظلم وغدر والكثير من هموم وغموم الحياة الدنيا الزائلة الفانية. عُدت بعد أيام، إلى حياتي الطبيعية بين أهلي وأحبابي ووطني، عُدت رغم الوباء وظروف الجائحة، مختلفة، فقد أزهر قلبي وغلظ عودي واخضرت أغصاني. أصبحتُ شجرةً عطاؤها لله وفي الله وإلى الله، وما أجمل الله. كان ذلك بعد أن أكرمني الله بقبولٌ حسن، أسأل الله أن يدوم ويتجدد. ولم يكن ذلك إلا توفيقاً بفضل الله ثم أولئك الصالحين الذي يسعون في الأرض صلاحاً وأثراً خالداً بالخير.


 - رفيق السفّر: كتاب لأنك الله للمؤلف علي الفيفي

No comments:

Post a Comment

عامود 20 - قصة قصيرة

       في مدينتي الصحراوية في قلب الجزيرة العربية ولدت عام  1983 . ومنذ أن وُجدت على هذه الدُّنيا لم يتغير طولي، الذي يصل إلى أكثر من  6  أم...