في مدينتي الصحراوية في قلب الجزيرة العربية ولدت عام 1983. ومنذ أن وُجدت على هذه الدُّنيا لم يتغير طولي، الذي يصل إلى أكثر من 6 أمتار، أحمل على رأسي مع بقية إخوتي سقف مبنى الترحال، ما بين مغادرةٍ ووصول. أجد نفسي واقفاً شامخاً أمام عوامل الطقس المُتقلبة في صحراء نجد، بين لواهيب الصحراء الحارقة في صيفها، وصقيع لياليها الجاف في شتائها شحيح الأمطار، أقف مُنصتاً لحكايات الزمان مع بني الإنسان.
منذ طفولتي، تنوعت الأحداث التي أسمعها خلال حبيباتي الصغيرة، التي تستقبل موجات الصوت القادمة للقريبين أو المتكئين علىّ، أسند ظهورهم المتعبة وأجسامهم المُرهقة من حرارة شمس الصحراء وهوائها، وأُدفئ ما استطعت ممن خذلتهم رياح الشتاء القارصة للصحراء. مرّت العديد من الأحداث التي رواها بني البشر وهم يجتمعون عند وصولهم أو رحيلهم من الرياض، كانت القصص تُروى عن أحداث الحرب العراقية الإيرانية في طفولتي المبكرة، وأخرى تلتها بعد سنوات عن أحداث حرب الخليج الأولى الثائرة، وفي هدوء فترة التسعينات مع نهاية القرن العشرين، كانت أحاديث الود بين الأهل والأصدقاء في توديع أحبابهم أو استقبالهم، وهمسات هموم العمل للمغتربين لكسب لُقمة عيش طيبة، هي ترانيم البشر في تلك الفترة الهادئة.
مرت تلك السنوات تلو السنوات، حتى حلّ وقعٌ جلل على الناس، حمل معه عدد ترتيبي بين إخوتي! عشرون، عددٌ حمل معه وباء الهواء في الصدور في عام 2020، الذي افتقدت فيه الكثير من قصص الناس وأحاديثهم الشيقة. بقيت مع إخوتي في هدوء أعزل.. جعلنا نحتار ونتساءل؟ كم كانت ثرثرة بني البشر مؤنسة، تحمل أخباراً وعناوين مُلفتة، تدُبُّ معها الحياة في حبيبات رملنا المنغمسة في الاسمنت الأصم! كبلورات صغيرة ترى عالم بني الإنسان معكوسةً بداخلها كعالم صغير خلال الكلمات والجمل! تُسلّي وقوفنا الطويل في هذه الحياة التي كُتبت لنا.
جاء شهر سبتمبر من عام 2021، ليحمل معه البُشرى، فقد وصلت لحبيباتي الناعسة أحاديث الأدب والروايات، وحكايات طواها الزمن، أُحكمت سطورها بين دفتي كتاب! بدأت الحكايات والقصص تتطاير، يحملها الهواء في موجاته إلينا، ليعلن عن توافد الكُتّاب ووصول الشُّعراء إلى مدينة الرياض. توافد العديد إلى عامود 20، إليّ أنا الذي أقف هنا، بحثاً عن سائقِ أجرة يُوصلهم لمدينتي التي أصبحت أزهى وأجمل. آه نعم، إنه معرض الرياض الدولي للكتاب، الذي أصبح في واجهة الرياض، تلك المنطقة التي أحمل جزءاً من حبيباتها بداخلي! يا لها من مصادفة حنونة، أصبحت تلك المنطقة عامرة.
تلك الصحراء، بدأت تستقبل كافة العلوم والمعارف على أيدي أبنائها القادمون والمغادرون من وإلى الديار البعيدة، فقد شَهِدتُ مع إخوتي تطورات كبيرة في المبنى الذي نعيش فيه، مبنى عائلتي الكبير من الإسمنت المخلوط مع حبات الصحراء العتيقة. وقد سمعت من بعض العاملين عن مدى جمال تلك المنطقة وحداثة مبانيها وتصاميمها التي تحمل تضاداً بين عبق الماضي الخارج من حبات رمالها وهوائها، إلى الاسمنت الأصم الذي نُقش بالأحجار المُزينة والألوان المبهجة. أحاديث لتطورات أنعشت قلب الجزيرة العربية الذي بدأ ينبض حُباً للحياة، لقلب المملكة العربية السعودية، مدينة الرياض.
No comments:
Post a Comment